اقتباسات من الشروحمدونة الفوائد

✨ قصة طريفة في رجل نسب للشيخ صالح العصيمي أنه يقول أن (هو) من أسماء الله !✨

كلُّ كلامٍ لَهُ مبتدأٌ وله مُنتهًى، وله سِباقٌ وله لِحَاقٌ، وله إفرادٌ وله سِياقٌ؛ فكمـالُ فَهْمِه يكونُ برعايةِ مواقعِه، فتعتبِـرُ أوَّلَ الكلامِ وآخِرَه، وسِبَاقَه ولِحاقَه، وإفرادَه وسياقَه؛ فيُوقِفُك ذَلِكَ على الفهمِ الصَّحيح له.

فإن أخذتَ أَوَّلَه وتركتَ آخره، أو أخذت سِباقَهُ وتركتَ لحاقَه، أوِ اكتفيتَ بمفردٍ دونَ النَّظر في تركيبِ سياقٍ؛ أوقعَكَ ذَ ٰلِكَ في رَدِّ كلامٍ حقٍّ، ودَفَعك إلى الزُّور والباطل في العلمِ.
وهي حالُ كثيرٍ من النَّاس، الَّذين يُبادرونَ إلى تزييفِ حقٍّ لأنَّهم ينظرونَ إلى أوَّل الكلامِ دونَ آخرِه، أوْ ينظرونَ إلى سِباقِهِ دون لِحاقِه، أو ينظرونَ إلى إفرادِه دونَ تركيبِ سِياقِه، فيقعُون فِي الغلط على العلم وأهلهِ.

فمَنْ أرادَ أن يَسْلَمَ لهُ دينه وعِلمُه وعقلُه، لاحظَ هٰذَا في مواقِعِه من الكلامِ؛ فإنَّه يوقفُهُ على الـمعانِي الصَّحيحةِ، ويدفَع عنهُ دعْوَى الزُّورِ الَّتي يدَّعيها مَنْ يدَّعيها على الـمتكلِّمين في العلم.
ولا يمكن حصولُ تلكَ الحالِ إلَّا بأن تكون حاضرَ الذِّهن حينَ ذَ ٰلِكَ، والـمراد بـ(حضورِ الذِّهنِ): إقبالُ القَلْبِ عَلَى الـمَعْنَى الـمُرَادِ فَهْمُهُ، فإنَّك إذا زاغَ ذِهنك مُدَّةً وحضـر مُدَّةً؛ أوقعَكَ في الغَلَطِ.
وأذكر من وقائع الأحوالِ: أنَّ أحدًا نَسَب إليَّ أنِّي أقول: إنَّ (هُو) من أسمـاء اللهِ!، وذكرَ أنَّني قرَّرتُ هذَا في جامعِ الرَّاجِحي بـ(شُبْـرَا)، وأنَّه كان أحدَ الحاضرينَ، فلمَّـا ذُكِرَت هذِهِ الدَّعوى لي ضحكتُ وذكرتُ هذِه الأبيات:

وللكــــــــــلام أوّلٌ وآخِـــــــرُ
فافهمهما والذهنُ منك حاضر
لا تدفعِ القــــولَ ولا تردَّه
حتى يؤديك إلى ما بعده

فإنَّني كنت أُقرِّر الفرقَ بين الاسمِ الـمفرد للهِ، والاسم المضافِ؛ فالاسمُ الـمفردُ هو الَّذِي يأتي واحدًا؛ مثلُ: (الله).
والاسمُ المضافُ هو الَّذي يأتي مجموعًا مع غيره؛ مثل: (ربِّ العالـمينَ، ومالك الـملكِ).
وذكرتُ أنَّ ابنَ القيِّم زاد نوعًا ثالثًا، هو الأسماء الإلهيَّة المزدوجَة المتقابلة؛ كاسمِ (القابضِ الباسطِ)، فلا يُفصَلُ أحدُ طرفيهِ عن الآخرِ، بمنزلةِ عَدم فَصْل حروف الاسمِ الـمفردِ، فلا يصحُّ أن تقولَ في اسمِ (القابضِ الباسطِ): أنَّ من أسمـاء اللهِ (القَابضُ)، أَوْ أنَّ مِن أسمـاء الله (البَاسطُ)؛ بلِ الاسم حينئذٍ هو (القابضُ الباسطُ)، فيمتَنِعُ الفصلُ بينهُمَا؛ كمَا يمتنعُ الفصلُ بين حروفِ اسم (الله)، فلا تقول: (أ) اسمٌ، ولا (اللَّام) اسمٌ، ولا (هُـ) اسمٌ.
فسمع هوَ: (هُـ) اسمٌ، فقالَ: إنَّ فلانًا يذكرُ أنَّ (هو) من أسمـاءِ اللهِ؛ لأنَّ ذهنَه حينئذٍ لمْ يكنْ حاضِرًا، وإنَّمَـا كان شاردًا، فسمِع هذِهِ الكلمة فظنَّ أنَّ فيها تقريرًا لكونِ هذِهِ الكلمة (هُو) من أسمـاءِ الله سبحانه وتعالى. والعاقلُ يلتمس العذرَ للمتعلِّمينَ، فإنَّ هٰذَا مـمَّـا لا يُستغرَب منه؛ بل لا يُستغرَبُ مـمَّنْ يريدُ بكَ السُّوءَ، فإنَّ هذَا أَمْرٌ جُبِلَتْ عليه خَلِيقَةُ الإنسانِ، فإنَّ النَّاس يتنافسونَ، ويتَصارَعُونَ، ويريدُونَ الجَاهَ والرِّئَاسةَ والزَّعامة،َ ويبتغِي بعضُهُم فِي بعضٍ خطأَهُ؛ لإِزلَالِه وإنزالِه عن رُتبةٍ بلغها.

فالعاقلُ إذا رأَى هذَا في النَّاسِ، عَامَلَهُم بمَـا أَمَرهُ الله سبحانه وتعالى، وعَقَلَ أنَّ هذِهِ حالٌ بشـريَّةٌ، فَالـمُتَرَفِّعونَ عنِ البشـريَّة، الـمُزَكّون أنفسهم بمـا يُطَهِّرها، لا يلتفتون إلى مثل هذَا، ويرون أنَّ صدور هذَا من الـمتعلِّمين زَلَّاتٌ ينبغِي إفهامُهم فيهَا القولَ الصَّوابَ.
والشَّاهدُ منَ الحِكَايةِ: أَنَّ مَا أَرشَدَ إِليهِ مِن كوْنِ حصولِ تِلكَ الحَالِ، لَا يُمكنُ إلَّا مع حضور الذِّهنِ، وأمَّا معَ شُـرُودِه فإنَّه لا يحصُل للمرءِ ذَلِكَ.

📕 شرح (بهجة الطلب في آداب الطلب).


لتنزيل المقالة بصيغة pdf من (هنـا)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق