اقتباسات من الشروحمدونة الفوائد

💫 تنبيه على غلط شائع في تناول السيرة النبوية عند بعض المتأخرين 💫

السِّيرة النَّبويَّة تُتَلقَّى عِلمًا بالنَّظر إلى محمَّدٍ ﷺ رسولًا نبيًّا، فإنَّ الَّذي امتاز به ﷺ عن سائر البشَر هو النُّبوَّة والرِّسالة، فالمُبْتَغي الانتفاعَ بسيرة النَّبيِّ ﷺ لا مَحِيدَ له عند النَّظر فِي تفاصيلها واستنباط معانيها من النَّظر إلى كونه ﷺ كان رسولًا نبيًّا.

ومن الغلط الجاري عند المتأخِّرين: تصييرُ سيرتِه ﷺ أخبارًا عن عظيمٍ من العُظماء، أو حكيمٍ من الحكماء، أو ذكيٍّ منَ الأذكياء، أو قائدٍ من القادة؛ فإنَّ هذا تَهوينٌ للمرتبة السَّامية له ﷺ من النُّبوَّة والرِّسالة، وتصييرٌ له ﷺ كغيره ممَّن يُحاذى به من القادة والأذكياء والعُظماء والرُّؤساء والحُكمَاء.
وهذا داءٌ سرى إلى مَن كتب فِي السِّيرة النَّبويَّة من المتأخِّرين تأثُّرا بما دَوَّنَه المُستشرِقون فِي كتُبُهم فِي السِّيرة النَّبويَّة، فإنَّهم تناولوه ﷺ ناظرين إليه رجلًا، عظيمًا، ذكيًّا، قائدًا، فصار بعضُ مَن تغذَّى بلبَانِهم وأخذ عنهم يُقرِّر هذا المعنى الَّذي يُوهِن ما له ﷺ مِن مرتبة الرِّسالة والنُّبوَّة.

ولشيخ شيوخنا محمَّد بنِ محمَّد أبو شَهْبَة المصريِّ ؒ صرْخةُ نذيرٍ، وصيْحةُ تحذيرٍ، لمحاذاة سيرتِه ﷺ بسِيَرِ أولئك، وله كلام حسنٌ تَحسُن قراءتُه، ذكره فِي مقدّمة كتابه «السِّيرة النَّبويَّة فِي ضوء الكتاب والسُّنَّة»، يَعلَم به قارئه شدَّة الخطأ الفادح الَّذي انتشر عند النَّاس مِن النَّظر إلى سيرته ﷺ سيرةَ ذكيٍّ أو عظيمٍ أو قائدٍ أو حكيمٍ أو نبيلٍ، بتجريدِه عن المرتبة العُظمى وهي مرتبة النُّبوَّة والرِّسالة، فله ؒ سابِقةُ الفَضْل فِي الإشارة إلى مخاطِر ذلك.

ولم تزلِ الأيَّام بعده تشتدُّ فِي وقوع النَّاس فِي هذا الشَّرِّ، حتَّى صِرتَ تسمع الخبَر عنه ﷺ ممَّن يُعلِّم السِّيرةَ تارةً كمَلِكٍ من الملوك، وتارةً كعظيمٍ من العُظماء، وتارةً كذكيٍّ من الأذكياء، وتارةً كحكيمٍ من الحُكماء، وصار المستعمَلُ فِي الخبَر عن سيرتِه ﷺ هو الخطاب الدَّارِج عند النَّاس.
فأذكر أنِّي سمعتُ رجلًا يسرُد السِّيرة فيقولُ – مُبيِّنًا حالًا عرضَتْ للنَّبيِّ ﷺ مع الصَّحابة قائلًا -: (ثمَّ خرج الملك يتحدَّث إلى الشَّعب تحقيقًا للتَّواصل معهم). انتهى كلامه.

فمِثلُ هذا السَّقْطِ من الكلام تَهوينٌ لمرتبةِ النَّبيِّ ﷺ بجعلِه ملِكًا، وهو الَّذي اختار كونَه عبْدًا رسولًا ﷺ ، مع ما فِي لفظة (الشَّعْب) بِهذا المعنى من التَّوليد المُنَافِي فصاحةَ كلام العرب.
وإذا قُبِلَ هذا مِمَّن ليست له يدٌ فِي العلوم الشَّرعيَّة؛ فإنَّه عورةٌ لا تُستَر، وسوْءَةٌ لا تُحمَد إذا صارَ المشتغلون بالسِّيرة مِن أهل الشَّريعة يُخبِرون عن الجَنَاب النَّبويِّ والمَقَام المُحمَّديِّ ﷺ بمثلِ هذه المسالك.
والدَّاء يبدأُ صغيرًا، حتَّى يستفحلَ فيصيرُ وَرَمًا، فإذا اشتدَّ بالبدن ربَّما قَتل، وهذا ظاهرٌ فِي أنَّ خللًا كثيرًا واقعًا فِي المسلمين فِي المَدارك والأفهام والحقائق والمقاصد المنسوبة إلى السِّيرة، تولَّد مِن جعلِه ﷺ قائدًا أو حكيمًا أو ذكيًّا أو غير ذلك من مراتب الخلق.
وأمَّا جعلُه ﷺ رسولًا نبيًّا فهو يَسْمُو بتناول السِّيرة، وينتفِعُ به العبدُ، ويصلُح قلبُه، ويُدرِك مِن أنواع المعارف والعلوم والحقائق الإيمانيَّة الخيرَ الكثيرَ الَّذي يُوجَد في سيرتِه ﷺ .

شرح الأرجوزة المئية


لتنزيل المقالة بصيغة pdf من (هنـا)

مقالات ذات صلة

إغلاق